محمد أبو زهرة
1246
زهرة التفاسير
يؤمنون برسالته حق الإيمان من غير إفراط ولا تفريط ، ومن غير أن يتجاوزوا به قدره الذي قدره اللّه تعالى له وسواه عليه . والفوقية ليست هي القوة ؛ فإن الأسد أقوى من الإنسان ، ولكنه ليس فوقه ولا أعلى منه ، بل الفوقية هي فوقية الإدراك والإيمان والإخلاص ؛ وذلك لأن سبب الفوقية هو الاتباع ، والمسبب من جنس السبب ، فالسبب معنوي روحي ، فالفوقية روحية معنوية ، فليست الفوقية إذن فوقية سيف وسنان ، بل فوقية حجة وبرهان ، . ولقد قال الزمخشري في ذلك : « يعلونهم بالحجة ، وفي أكثر الأحوال بها وبالسيف ، ومتبعوه هم المسلمون ؛ لأنهم متبعوه في أصل الإسلام ، وإن اختلفت الشرائع ، دون الذين كذبوه ، والذين كذبوا عليه من اليهود والنصارى » « 1 » . ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ إن الفوقية التي أشرنا إليها هي فوقية الحجة القوية الثابتة عن النظر بعين الحق السائغ ، والقسطاس المستقيم ، وإن هذه الحجة قائمة في الدنيا إلى يوم القيامة ، حتى إذا انتهوا إلى ذلك اليوم المعلوم المقطوع بأنه سيقع لا محالة ، يكون الاحتكام بها إلى الحكم العدل العليم ؛ ولذا قال سبحانه : ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ أي إلىّ رجوعكم ومآبكم ، وإذا كان المرجع إلى اللّه والمصير إليه سبحانه وهو العليم بكل شئ ، فهو الذي يحكم بينهم فيما كانوا يختلفون فيه ، وحجة بعضهم فوق حجة الآخرين ، فالفاء في قوله تعالى : فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ هي التي تسمى فاء الإفصاح ؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر ، وقد ذكرناه في مطوى كلامنا . ولقد بين سبحانه وتعالى بعض الحكم مفصلا في قوله تعالى : فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ هذا هو الجزء الأول من الحكم ، وهو عذاب الذين كفروا ، وفي التعبير بالموصول إشارة إلى أن سبب العذاب هو كفرهم ، وقد أكد سبحانه وتعالى شدة
--> ( 1 ) الكشاف : ج 1 ص 192 .